محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

444

الإنجاد في أبواب الجهاد

الخائط والمخيط ، فإن الغلول عارٌ ، ونارٌ ، وشنارٌ على أهله يوم القيامة » ( 1 ) . فهذا نصٌّ في الخائط والمخيط - وهو الخيط والإبرة - أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأدائه ، وجعل له حكم الغلول المتوعَّد عليه بالنار ، فلا ينبغي أن يتسامح مع هذا أحدٌ في مثل ذلك ، وإنما حَمَلَ من ذكرناه على الترخيص فيما خَفَّ من ذلك : حملُهم ما وقع في الحديث من ذكر الخائط والمخيط على أنَّ المراد به ضربُ المثل ، والمبالغة والتحذير ، وإنما المقصود ما فوقه ، لكن هذا التأويل مع كونِهِ دَعوى ، وخروجاً عن الظاهر بغير دليل ، فقد يبطله قوله - صلى الله عليه وسلم - - وقد جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - : « شراكٌ - أو : شِراكان - من نار » ؛ خرَّجه مالك في « الموطأ » ( 2 ) . قوله في الحديث : « شراك ، أو : شراكان » ؛ هو شكٌّ من المحدِّث . وأجمع العلماء على أن الغالَّ يجب عليه أن يردَّ ما غلَّ إلى صاحب المقاسم إن وجد إلى ذلك سبيلاً ، وأنه إذا فعل ذلك ، فهو توبةٌ له ( 3 ) . واختلفوا : إذا افترق أهل العسكر ولم يوصل إليهم ؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يرفع إلى الإمام خُمسه ، ويتصدَّق بالباقي ، فإنْ خاف الإمامَ على نفسه ،

--> ( 1 ) مضى تخريجه قريباً . وهو صحيح . ( 2 ) ( رقم 462 - ط . دار إحياء التراث العربي ) . وأخرجه البخاري في « صحيحه » في كتاب الأيمان والنذور ( باب هل يدخل في الأيمان والنذور : الأرض ، والغنم ، والزروع ، والأمتعة ) ( رقم 6707 ) ، ومسلم في « صحيحه » في كتاب الإيمان ( باب غلظ تحريم الغلول ) ( 183 ) ( 115 ) . ( 3 ) قال بدر الدين بن جماعة في « تحرير الأحكام » ( ص 214 ) : « من غلَّ شيئاً من المغنم وإن قلَّ ردَّه إلى المغنم ليقسم ، وتجب عليه التوبة والاستغفار من ذلك » . وانظر : « اختلاف الفقهاء » للطبري ( 110 ) . ونقل الإجماع : ابن المنذر في « الأوسط » ( 11 / 60 ) ، وفي « كتاب الإجماع » ( 72 رقم 236 ) ، وأقره العيني في « عمدة القاري » ( 15 / 5 ) ، وابن حجر في « الفتح » ( 6 / 186 ) ، وانظر : « شرح النووي على صحيح مسلم » ( 12 / 218 ) ، « تفسير القرطبي » ( 4 / 260 ) .